الحارث المحاسبي

193

الرعاية لحقوق الله

والنظر إلى ملك الموت ، ومن معه من رسل ربّه عز وجل ، واستماع إحدى البشريين عند موته ، والاعتبار بمن مضى قبله بذكر موتهم ومصرعهم . ووجدت العبرة أسرع إلى القلب بالأشكال والأمثال والأصحاب ممن سواهم ، بأن يذكر العبد مصارعهم تحت التراب ، ويتوهّم صورهم في حياتهم ومقاماتهم ، وكيف محى التراب حسن صورهم ، وكيف بلوا في قبورهم ، وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم ، وخلت منهم مجالسهم ومساجدهم ، وانقطعت منهم آثارهم ؛ فيذكرهم رجلا رجلا ، فيتوهم صورته ، ويذكر نشاطه وتردّده واكتسابه وإنفاقه ، وأمله للعيش والبقاء ، ونسيانه للموت أو ذكره له ، ومؤانسته إياه معه ، وفرحه وضحكه ، وكيف وقعت تلك الأسنان وتقطعت تلك المفاصل ، وذهبت تلك القوة ؟ فيعترضهم رجلا رجلا . فإذا اجتمع في القلب معرفة فجأة الموت وكربه ، والنظر إلى صورة الملائكة لقبض روحه ، وعظم خطر إحدى البشريين ، وارتقاب قلبه لإحدى البشريين ، وذكر الإخوان وأحوالهم ، وكيف فنوا وبلوا وخلفوه ومضوا ؛ وأنه لاحق بهم لا محالة ، فما هو عند نفسه إلا كأحدهم وأن الموت نازل به كما نزل بهم ، كما قال أبو الدرداء : إذا ذكر الموتى فعدّ نفسك كأحدهم . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر : « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعدّ نفسك في الموتى » « 1 » فعند ذلك بعون اللّه عزّ وجلّ يقصر أمله ، ويرتقب أجله ، ويستعدّ بالتوبة للقاء ربّه عزّ وجلّ ، ويعظم الحمد والشكر في قلبه لربّه عزّ وجلّ ، ألا يكون قدّمه ولم يمهله بعد إخوانه ، فيحال بينه وبين الاتّعاظ بهم ، والعبرة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 233 ( 6416 ) ، والترمذي في الزهد 6 / 625 ( 2435 ) ، وابن ماجة في الزهد 2 / 1378 ( 2435 ) ، وأحمد 2 / 24 ، 41 ، 131 .